الكثافة السكانية تحفّز بروتيناً ساماً يهدد الأجنة
كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من جامعة "كولورادو بولدر" الأمريكية، ونُشرت نتائجها في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) ونقلها موقع "نيوز ميديكال"، عن آلية بيولوجية وفطرية تفسر الارتباط الوثيق بين زيادة الكثافة السكانية وانخفاض معدلات الخصوبة؛ حيث أثبتت التجارب المخبرية أن الكائنات الحية التي تعيش في ظروف اكتظاظ شديدة تطلق بروتيناً ضاراً ينتقل داخل الجسم، ويعمل على إتلاف البويضات وتشويه الأجنة، مما يتسبب في إحداث طفرات جينية وراثية تنتقل مباشرة إلى الأجيال التالية. وتأتي هذه النتائج لتدعم فرضية وجود أدوات تطورية داخلية تسعى للحفاظ على التوازن العددي للأنواع عند شح الموارد البيئية.
وتوصل الفريق البحثي إلى هذا الاكتشاف الجزيئي بشكل غير متوقع أثناء دراسة ظاهرة فسيولوجية تُعرف بـ"تأثير المارة الناجم عن الإشعاع"، والتي تظهر لدى مرضى الأورام الخاضعين للعلاج الإشعاعي وتتسبب في تلف الخلايا السليمة البعيدة عن موقع العلاج. وبيّنت الدراسة السابقة التي أجريت عام 2017 على دودة (C. elegans) أن الخلايا المتضررة تفرز بروتيناً يسمى "CPR-4"، وينتقل في الجسم ليتلف الحمض النووي (DNA) للخلايا المجاورة؛ وهو بروتين يوجَد له مستشعر كيميائي مماثل لدى البشر والفئران يُعرف باسم "كاتيبسين بي" (Cathepsin B). ورصد العلماء المفاجأة الحيوية بأن الحيوانات المزدحمة للغاية تفرز هذا الإنزيم بكثافة حتى في غياب أي تعرض إشعاعي، مما يجعل خلاياها التناسلية تبدو فسيولوجياً وكأنها تعرضت لجرعات إشعاعية مدمرة.
وأظهرت المقارنات الجينومية بين مستعمرات الكائنات الحية أن هذا الإنزيم يبدأ في التدفق والنشاط بمجرد تخطي الكثافة العددية حاجز 3000 فرد في المستعمرة الواحدة؛ حيث سجلت الحيوانات التي تعيش في بيئات مزدحمة ارتفاعاً في الطفرات الجينية داخل خلاياها التناسلية بنسبة تصل إلى 87%، مع تراجع حاد في أعداد المواليد وظهور تشوهات تركيبية واضحة على النسل الباقي. وتكتسب هذه الدراسة أهمية سريرية بالغة في ظل المؤشرات الديموغرافية العالمية التي تسجل انخفاضاً مستمراً في معدلات الخصوبة من 5 مواليد لكل امرأة عام 1950 إلى 2.3 مولود، بالتزامن مع إحصاءات منظمة الصحة العالمية التي تؤكد أن شخصاً من بين كل ستة أشخاص حول العالم يعاني من العقم.
وأوضح البروفيسور دينغ شيوي، المؤلف الرئيسي للدراسة، أن الكثافة السكانية أصبحت تحدياً بيئياً وصحياً كبيراً في المجتمعات المعاصرة، لا سيما في المدن الكبرى التي تستقطب ثلثي سكان العالم. ونجح الباحثون بالفعل في تطوير مركب كيميائي مصمم لتثبيط إنزيم (Cathepsin B) في الحيوانات وحصلوا على براءة اختراع رسمية له؛ حيث أدى تعطيل هذا البروتين إلى منع الآثار السلبية للاكتظاظ وحماية الخلايا التناسلية، مما يفتح آفاقاً جديدة لاستخدام هذه المثبطات جزيئياً في تطوير قطاعات الإنتاج الزراعي والحيواني، وتوجيه الأبحاث الطبية نحو صياغة بروتوكولات علاجية مبتكرة لمساعدة البشر الذين يواجهون اضطرابات إنجابية وتأخراً في الحمل.