فقدان حاسة الشم: مؤشر جديد لمرض باركنسون المبكر

فقدان حاسة الشم: مؤشر جديد لمرض باركنسون المبكر

لم يعد فقدان حاسة الشم مجرد اضطراب حسي عابر، بل تحول في الأوساط العلمية إلى مؤشر حيوي مبكر للأمراض التنكسية العصبية، وعلى رأسها مرض باركنسون.

ووفقاً لتقارير حديثة نقلها موقع «science.mail.ru»، تظهر التغيرات العصبية في البصلات الشمية قبل سنوات طويلة من ظهور الأعراض الحركية الظاهرة للمرض، حيث يترافق ذلك مع تراكم بروتينات سامة في تلك المنطقة من الجهاز العصبي. وتؤكد الدكتورة زارا باتيل، المتخصصة في اضطرابات الشم والتذوق، أن الأنف يمثل نافذة مباشرة على صحة الدماغ، مشيرة إلى ارتباط اضطرابات الشم بقرابة 139 حالة مرضية، تشمل الاكتئاب، والفصام، واضطراب طيف التوحد، فضلاً عن أمراض الخرف مثل ألزهايمر.

ويعزى هذا الارتباط الوثيق إلى المسار الفريد للإشارات الشمية التي تنتقل مباشرة إلى "الجهاز الحوفي" في الدماغ المسؤول عن العواطف والذكريات، متجاوزة "المهاد" الذي يعمل كبوابة لبقية الحواس. وفي ظل الزخم البحثي الذي تلا جائحة "كوفيد-19" -التي عانى فيها 60% من المتعافين من فقدان الشم- تسارعت الدراسات لفهم هذه الآليات، مستندة إلى الأساس العلمي الذي وضعه الحائزان على جائزة نوبل "ليندا باك" و"ريتشارد أكسل" حول الجينات المسؤولة عن مستقبلات الشم.

آفاق الاستعادة والتدريب: تُشير الأدلة إلى وجود بارقة أمل في استعادة القدرات الشمية عبر «تدريب الشم»، الذي يعتمد على التعرف المتكرر على روائح أساسية (كالليمون والورد والقرنفل والأوكالبتوس). وقد أظهرت دراسة تحليلية أجريت عام 2024 تحسناً ملحوظاً لدى نسبة تتراوح بين 30% إلى 50% من المشاركين، خاصة عند دمج هذا التدريب مع غسل الجيوب الأنفية بالستيرويدات، إلى جانب الدور الإيجابي للرياضة في تعزيز الوظائف الإدراكية والتخفيف من أعراض الاكتئاب المرتبطة بهذه الحالات.

إن هذا الاكتشاف ينقل "حاسة الشم" من هامش الحواس إلى قلب التشخيص العصبي؛ فالتغير في القدرة على تمييز الروائح ليس مجرد "عطل بيولوجي"، بل هو جرس إنذار مبكر يعكس ما يحدث في أعماق الدماغ. استراتيجياً، يفتح هذا المجال الباب لابتكار بروتوكولات فحص دورية لحاسة الشم كجزء من الفحوصات الطبية الوقائية لكبار السن أو الفئات الأكثر عرضة للأمراض العصبية، مما يتيح لنا التدخل العلاجي قبل أن تصل البروتينات السامة إلى المراكز الحركية أو الإدراكية الحساسة، محولاً إياها من مجرد حاسة إدراكية إلى أداة للرصد الاستباقي للصحة العصبية.