نموذج الرعاية الصحية السعودي: ماذا تعلمنا بعد سنوات من التطبيق؟
كتب الدكتور إبراهيم الحفظي، الاستشاري ومدير صحة عسير الأسبق، في صحيفة "الوطن"، مقالاً سلط فيه الضوء على مسيرة التحول الصحي في المملكة، مؤكداً أن الاختبار الحقيقي لنموذج الرعاية الصحية السعودي يكمن في مدى شعور المريض بأن هذا النموذج قد غيّر حياته فعلياً، لا في كونه إستراتيجية متقنة على الورق.
وأوضح الدكتور الحفظي أن هدف التحول الصحي لم يكن بناء المزيد من المستشفيات أو إعادة توزيع الصلاحيات، بل إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والنظام الصحي، مشدداً على أن النجاح بات يُقاس بقدرة المنظومة على الحفاظ على صحة الإنسان قبل مرضه، ومرافقته في رحلته العلاجية.
ووصف الحفظي فكرة نموذج الرعاية الصحية السعودي بأنها واحدة من أكثر الأفكار نضجاً في تاريخ القطاع، لتوجهها نحو الوقاية، وجعل الرعاية الأولية نقطة الانطلاق، وربط الخدمات برحلة المريض، مشيراً إلى أن إعادة توزيع الأدوار بين الجهات المنظمة والمقدمة والممولة تمثل خطوة مهمة نحو منظومة أكثر وضوحاً.
ومع ذلك، نبّه الدكتور الحفظي إلى أن جودة الفكرة لا تكفي، مؤكداً أن التحول ينجح عندما تتغير تجربة المريض في الحصول على موعد في الوقت المناسب، وتوفر طبيب مطلع على حالته، وخدمة متصلة تحفظ كرامته.
وطرح الحفظي تساؤلاً جوهرياً: "ماذا تعلمنا بعد سنوات من التطبيق؟"، ليجيب عبر ثلاثة دروس؛ أولها أن الوقاية لا تزال بحاجة للتحول من شعار إستراتيجي إلى ثقافة مؤسسية، حيث لا يزال الاستثمار في العلاج يتفوق على الاستثمار في الوقاية. والثاني أن الرعاية الأولية لا تصبح محوراً للنظام بمجرد النص عليها، بل تحتاج إلى كفاءات وصلاحيات وثقة مجتمعية، معتبراً أن توجه المواطن للمستشفيات وتجاوز المراكز الصحية يستحق الدراسة بجدية. أما الدرس الثالث، فهو أن التكامل أصعب من الرقمنة، إذ لا يكفي الملف الإلكتروني وحده لبناء رحلة علاجية متكاملة تتسم بالمسؤولية الواضحة والعمل كفريق واحد.
كما أشار الحفظي إلى أن التطبيق كشف عن تفاوت ملحوظ بين التجمعات الصحية، مؤكداً ضرورة انتقال التجارب الناجحة إلى بقية التجمعات لضمان جودة الرعاية بغض النظر عن مكان إقامة المواطن.
وتساءل عن مؤشرات الأداء، محذراً من تحولها إلى أهداف بحد ذاتها، ومشدداً على أن النتائج الصحية الحقيقية مثل تحسن جودة الحياة وانخفاض التنويم هي المعيار الأصدق. وفي المقابل، ثمّن الحفظي التقدم المحقق في الصحة الرقمية والخدمات الافتراضية والمسارات المتخصصة، مؤكداً أنها إنجازات تؤسس لمرحلة نضج تتطلب الإجابة على سؤال: "ماذا تغير في حياة الناس؟".
وختاماً، أكد الدكتور الحفظي أن أولويات المرحلة القادمة تتركز في خمسة محاور: تمكين الرعاية الأولية، والانتقال لقياس النتائج الصحية، والاستثمار في الكوادر، وتقليص الفجوة بين التجمعات، وحماية البعد الإنساني.
وأكد أن التحول الصحي مشروع لبناء الثقة بين الإنسان والنظام الصحي، معتبراً أن النموذج سينجح فعلياً عندما يصبح جزءاً من التجربة اليومية للمريض والطبيب، وعندما تختفي التفاوتات وتصبح الوقاية خياراً أولاً، ليصبح الإنسان محور الرعاية لا مجرد متلقٍ لها.