ندوة صحية تكشف ضعف الأبحاث السريرية في المملكة رغم ضخامة السوق الدوائي

    ندوة صحية تكشف ضعف الأبحاث السريرية في المملكة رغم ضخامة السوق الدوائي

في وقت تتسارع فيه التحولات الصحية عالمياً، وتتصاعد فيه التحديات المرتبطةبالأمراض المزمنة وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، شدد خبراء وأكاديميونومتخصصون على أهمية بناء منظومة صحية سعودية أكثر كفاءة واستدامة، تقوم علىالأبحاث والتجارب السريرية، والرعاية الصحية القائمة على القيمة، والحوكمة الذكيةالمدعومة بالبيانات، بما يعزز جودة الحياة ويرفع جاهزية القطاع الصحي لتحقيقمستهدفات رؤية السعودية 2030.

وأوصت ندوة صحية متخصصة بضرورة توسيع الاستثمار في الأبحاث والتجاربالسريرية، وتعزيز مفهوم “الرعاية الحكيمة”، وتطوير الأنظمة الصحية القائمة علىالبيانات والحوكمة، بما يسهم في رفع كفاءة القطاع الصحي وتحقيق مستهدفات رؤيةالسعودية 2030.

وأكد الأستاذ الدكتور أحمد الجديع بروفيسور الصيدلة الإكلينيكية بجامعة الفيصلبالرياض أن بناء ثقافة وطنية راسخة في مجال الأبحاث والتجارب السريرية يمثل أحدالمفاتيح الأساسية لتطوير القطاع الصحي في المملكة، مشددا على أن البحثالسريري لم يعد نشاطا أكاديميا محدود الأثر، بل أصبح صناعة استراتيجية ترتبطمباشرة بتحسين جودة الرعاية الصحية، وتعزيز الاقتصاد، ودعم مستهدفات رؤيةالسعودية 2030.

جاء ذلك خلال مشاركته في ندوة بحثية متخصصة بعنوان “تعزيز الصحة العامةواقتصاديات الصحة في المملكة العربية السعودية”، التي أقيمت أمس بجامعةالفيصل بالرياض، بمشاركة نخبة من الخبراء والأكاديميين وصناع القرار والمتخصصينفي القطاع الصحي، ضمن جهود دعم التحول الصحي وتحقيق مستهدفات رؤيةالمملكة 2030.

وأوضح أن التطورات العالمية في علاج الأمراض المزمنة، وفي مقدمتها أمراض السكريوالسمنة وأمراض الدم والسرطان، تعكس الأثر الحقيقي للتجارب السريرية، مشيرا إلىأن العلاجات تطورت من خيارات تقليدية محدودة الفاعلية إلى تدخلات علاجيةمتطورة مثل الأدوية البيولوجية والخلوية والجينية، التي أسهمت في تحسين النتائجالسريرية وتقليل المضاعفات بشكل كبير.

وأشار إلى أن نجاح العلاجات في بعض الدول لا يعني بالضرورة ملاءمتها لجميعالمجتمعات، موضحا أن الاختلافات الجينية والفينوتيبية بين السكان تجعل منالضروري إجراء أبحاث وتجارب سريرية داخل المملكة، بما يضمن تطوير حلول علاجيةتتناسب مع الخصائص الصحية للمجتمع السعودي.

وبيّن أن التجارب السريرية تمثل رافدا اقتصاديا مهما، مستشهدا بدراسات دوليةأظهرت أن كل دولار يستثمر في البحث السريري بالولايات المتحدة يولد ما يقارب 2.6 دولار من القيمة الاقتصادية، فيما حققت التجارب السريرية في المملكة المتحدة أثرااقتصاديا تجاوز 8 مليارات جنيه إسترليني خلال عامين فقط.

وأضاف أن البحث السريري يسهم في خلق فرص عمل نوعية للباحثين والمتخصصين،ويدعم نمو الصناعات الدوائية، كما يوفر بيانات علمية دقيقة تساعد صناع القرار علىتبني سياسات صحية قائمة على الأدلة، إلى جانب تعزيز مكانة الدول في مجالاتالابتكار والبحث الطبي عالميا.

ولفت إلى أن مشاركة المملكة في التجارب السريرية ما تزال أقل من الطموحات مقارنةبحجم سوقها الدوائي، موضحا أن السعودية تمثل نحو 0.7% من الإنفاق العالمي علىالأدوية، بينما لا تتجاوز مشاركتها في التجارب السريرية 0.2%، ما يعكس الحاجة إلىمضاعفة الجهود لتطوير البنية التحتية البحثية وزيادة عدد مراكز الأبحاث السريرية.

وأكد أن المملكة تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها لتكون مركزا إقليميا رائدا في الأبحاثالسريرية، في ظل كونها أكبر سوق دوائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلىجانب ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة التي تتطلب حلولا علاجية مبنية على أبحاثمحلية دقيقة.

وأشار إلى أن الجهات الحكومية قطعت خطوات مهمة لدعم هذا التوجه، من بينهاتطوير الهيئة العامة للغذاء والدواء للأنظمة واللوائح المنظمة للتجارب السريريةبهدف تسريع الموافقات ورفع كفاءة الإجراءات، إضافة إلى المبادرات البحثية التيأطلقتها عدد من المؤسسات الصحية والأكاديمية لدعم الباحثين وتوسيع شبكاتالبحث السريري في المملكة.

وشدد الدكتور أحمد الجديع على أن الاستثمار في البحث السريري يمثل استثمارامباشرا في صحة الإنسان وجودة الحياة والاقتصاد الوطني، مؤكدا أن تعزيز ثقافةالبحث والابتكار سيكون أحد الممكنات الرئيسية لتحقيق مستهدفات رؤية السعودية2030 وبناء منظومة صحية أكثر كفاءة واستدامة.

من ناحيته ذكر د. جون ماجي مدير عام السياسات الصحية والمعرفة بمركز الصحةالحكيمة، أن المملكة العربية السعودية تخوض تجربة فريدة في إعادة تعريف مفهوم“القيمة” أو ما نطلق عليه مصطلح “الرعاية الحكيمة” داخل القطاع الصحي، مشددًاعلى أن القيمة لم تعد ترتبط فقط بالمردود الاقتصادي أو بنتائج المرضى الفردية، بلأصبحت مفهومًا أشمل يرتبط ببناء مجتمع أكثر صحة وتعزيز قوة الدولة وتحقيقمستهدفات رؤية السعودية 2030.

وأوضح أن السعودية تشهد تحولًا فكريًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، يتمثل في الانتقالمن التركيز على أداء المؤسسات والقطاعات بشكل منفصل إلى تبني رؤية وطنية شاملةتنظر إلى أثر الأنظمة الصحية والبيئية على المجتمع والاقتصاد وجودة الحياة بشكلمتكامل.

وأشار إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تحسين الخدمات الصحية، بل فيكيفية بناء نظام صحي قادر على تقديم قيمة مستدامة على مستوى الأفراد والمجتمعوالدولة، مبينًا أن المملكة تواجه تحديًا مختلفًا عن كثير من الدول لعدم وجود نماذجعالمية مماثلة يمكن تطبيقها بشكل مباشر على التجربة السعودية.

وشدد على أهمية إعادة تعريف مفهوم “القيمة” داخل الأنظمة الصحية، مؤكدًا أننجاح أي تحول صحي يتطلب مشاركة واسعة من المجتمع والقطاع الصحي والجهاتالتنظيمية والقطاع الخاص، إضافة إلى بناء نماذج حوكمة أكثر مرونة وشفافية.

وأضاف أن البيانات والحوكمة تمثلان حجر الأساس في دعم التحول الصحي، موضحًاأن اتخاذ القرار المستقبلي يعتمد بصورة متزايدة على جودة البيانات وتحليلها وربطهابالنتائج الصحية والاجتماعية والاقتصادية، بما يضمن تحقيق أثر ملموس ومستدام.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب فهماً أعمق للنموذج السعودي للصحة الحكيمةوخصوصية المجتمع المحلي والتحديات التنظيمية والتقنية المرتبطة بالتحولالصحي، مشيراً إلى أن إشراك الكفاءات الشابة والطلاب والمتخصصين في رسممستقبل المنظومة الصحية سيكون أحد العوامل الرئيسية لنجاح التغيير وتحقيقمستهدفات رؤية 2030.

إلى ذلك أكد الدكتور صالح التميمي الرئيس التنفيذي للتجمع الصحي الأول بالرياضسابقاً، أن التحول الصحي الذي تشهده المملكة العربية السعودية ضمن مستهدفاترؤية 2030 يمثل أكبر مشاريع التطوير المؤسسي في القطاع الصحي، مشيراً إلى أنالمملكة تعمل على إعادة بناء نموذج الرعاية الصحية بما يضمن الاستدامة المالية،ورفع جودة الخدمات، وتحسين صحة المجتمع على المدى الطويل.

وأوضح أن الأنظمة الصحية حول العالم تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع معدلاتالأمراض المزمنة والزيادة المستمرة في تكاليف الرعاية الصحية، لافتاً إلى أن نحو 73% من الوفيات في المملكة ترتبط بالأمراض المزمنة، وفي مقدمتها السكري وأمراضالقلب والسمنة.

وأشار إلى أن عدد المصابين بالأمراض المزمنة في المملكة وصل إلى نحو 5 ـ 6 ملايينشخص، وقد يصل إلى 10 ملايين بحلول عام 2030 في حال عدم تطبيق نموذج الرعايةالصحي السعودي الجديد، ما يشكل تحدياً كبيراً أمام النظام الصحي والبنية التحتيةوالخدمات العلاجية.

وأوضح أن رؤية السعودية 2030 تستهدف التحول من نموذج يعتمد بشكل أساسيعلى التمويل الحكومي المباشر إلى نموذج أكثر تنوعاً يعتمد على الدفع مقابل القيمةوالنتائج الصحية، بما يسهم في تحسين كفاءة الإنفاق ورفع جودة الرعاية المقدمةللمستفيدين.

وأشار إلى أن من أبرز محاور التحول إنشاء 20 تجمعاً صحياً على مستوى المملكة،تخدم ما يقارب 22 مليون مستفيد، بهدف تحسين التنسيق بين الخدمات الصحيةوتعزيز الوصول للرعاية ورفع كفاءة التشغيل.

وأضاف أن نماذج التمويل الجديدة تعتمد على مفاهيم الرعاية الصحية القائمة علىالقيمة، بما في ذلك الدفع لكل حالة والدفع مقابل الأداء، بدلاً من الاعتماد التقليديعلى الدفع مقابل الخدمة، مؤكداً أن هذه النماذج تسهم في الحد من الهدر وتحفيزجودة النتائج الصحية.

ولفت إلى أن التحول الصحي يركز بشكل كبير على تعزيز الرعاية الأولية وطب الأسرة،موضحاً أن المملكة تمتلك نحو 2000 مركز للرعاية الصحية الأولية، فيما تضمالمجموعة الصحية التي يعمل بها 165 مركزاً، في إطار التوسع في تقديم الرعايةالوقائية وتقليل الضغط على المستشفيات.

وأكد الدكتور صالح التميمي أن تطوير القوى العاملة الصحية يمثل محوراً رئيسياً فيالتحول، مع العمل على رفع نسب الكوادر الوطنية في مختلف التخصصات الصحية،خاصة التمريض والأطباء، إلى جانب تعزيز برامج التدريب والتأهيل.

وأشار إلى أن التحول الرقمي والبيانات يشكلان العمود الفقري للنظام الصحي الجديد،من خلال تطوير البنية الرقمية وتبادل البيانات واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعيوالتحليلات المتقدمة لتحسين الكفاءة التشغيلية ودعم اتخاذ القرار.

وأوضح أن النظام الصحي الجديد يعتمد على منظومة حوكمة ومساءلة دقيقة، تشملأكثر من 150 مؤشراً للأداء والجودة، بهدف قياس النتائج الصحية وتحسين تجربةالمريض وتعزيز كفاءة الخدمات.

ورغم التقدم الكبير، أشار الدكتور صالح التميمي إلى استمرار بعض التحديات المرتبطةبوجود بعض الممارسات القديمة غير الفاعلة لدى بعض الأنظمة الصحية في استمرارتقديم معظم الرعاية الصحية من خلال المستشفى وليس مركز الرعاية الأولية بالحي،مؤكداً أن التحول يحتاج إلى وقت وجهد متواصل، لكنه يسير بوتيرة متسارعة مقارنةبالسنوات الماضية.

واختتم بالتأكيد على أن المملكة تمتلك اليوم فرصة تاريخية لبناء نظام صحي أكثركفاءة واستدامة ومرونة، قادر على مواجهة التحديات المستقبلية وتحقيق مستهدفاترؤية السعودية 2030 في جودة الحياة وصحة الإنسان.

من جهته قال الدكتور محمد اللحيدان، مدير إدارة اقتصاديات الصحة في المجلسالصحي السعودي، إن الدراسات الطولية المجتمعية تمثل أحد أهم الأدوات العلميةلفهم التحولات الصحية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة، مشيراً إلى أن تسارعالتغيرات الديموغرافية والمجتمعية يفرض الحاجة إلى بيانات طويلة المدى تدعمالتخطيط واتخاذ القرار.

وأوضح أن دراسة الصحة والتقاعد الطولية في الولايات المتحدة تعد مثالاً جيداً علىهذا النوع من الدراسات التي تعتمد على تتبع عينة من أفراد المجتمع ممن هم مقبلونعلى التقاعد على مدى سنوات طويلة، بهدف فهم تأثير التغيرات الصحية والاجتماعيةوالاقتصادية على جودة الحياة، لافتاً إلى أن هذه الدراسات بدأت عالمياً منذ تسعينياتالقرن الماضي وأسهمت في إنتاج آلاف الدراسات العلمية التي دعمت تطوير السياساتالصحية والاجتماعية في العديد من الدول.

وأشار إلى أن المملكة تشهد تحولات مجتمعية متسارعة، أبرزها الارتفاع المتوقع فينسبة كبار السن من نحو 2.8% حالياً إلى ما يقارب 20% بحلول عام 2050، وهو ماسيشكل ضغطاً متزايداً على نظام الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية وسوق العملخلال العقود المقبلة.

وبيّن اللحيدان أن مشروع الدراسة في السعودية يستهدف تكييف نماذج الدراساتالطولية المطبقة في الولايات المتحدة وأوروبا بما يتناسب مع البيئة السعودية، منخلال ترجمة أدوات القياس والاستبيانات إلى اللغة العربية، وتصميم مؤشرات أكثرارتباطاً بالواقع المحلي واحتياجات المجتمع.

وأوضح أن الدراسة التجريبية شملت 553 مشاركاً جرى اختيارهم عبر منصة “كانتار”التي تضم عينة ممثلة للمملكة بنحو 45 ألف مستخدم من مدن مختلفة، وركزت علىالفئة العمرية ممن يبلغ عمرهم 50 سنة فأكثر، بما في ذلك كبار السن وأبناؤهمالبالغون.

وأضاف أن الاستبيانات تناولت جوانب متعددة تشمل الصحة العامة، والحياة اليومية،والاستمتاع بالحياة، واستخدام البيئة المحيطة، مع إجراء تعديلات على بعض المحاورخلال فترة جائحة كوفيد-19.

وكشفت النتائج الأولية عن ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة بين المشاركين، مثلالسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، حيث أظهرت الدراسة أن 27% منالمصابين بالسكري لديهم احتياج أكبر للمتابعة الصحية مقارنة بغير المصابين، فيمابلغت النسبة 18% لدى مرضى القلب مقابل 6% لدى غير المصابين.

كما أظهرت الدراسة وجود أعباء متزايدة على مقدمي الرعاية الأسرية، إذ يقضي مقدموالرعاية الأسرية الأساسيون أكثر من 12.6 ساعة أسبوعياً في مساعدة والديهم، فيمايعتمد 42% من كبار السن على دعم أولادهم، ما يعكس التحديات المتوقعة مع تزايدأعداد كبار السن مستقبلاً.

وأكد اللحيدان أن الدراسة أثبتت إمكانية تطبيق هذه المنهجية البحثية في المملكةبنجاح، رغم وجود تحديات مرتبطة بالوصول لعينة الدراسة إلكترونياً والتعليموالتواصل الاجتماعي، مشدداً على أهمية استمرار هذه الدراسات لتوفير قاعدة بياناتوطنية تدعم التخطيط الصحي والاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل، بمايتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.

وفي سياق متصل، أكد الدكتور نايف بن هديف العتيبي، نائب عميد كلية الطب ومديرمركز اقتصاديات الصحة في جامعة الفيصل، أن المملكة العربية السعودية تمضيبخطوات متسارعة نحو تعزيز الاستدامة في الخدمات الصحية والصحة العامة، منخلال دعم الأبحاث العلمية وتمكين الكفاءات الشابة وتوسيع الشراكات الدولية فيمجالات الصحة العامة واقتصاديات الصحة.

وأوضح أن مشاركة الطلاب والباحثين في تقديم تحقيقات ودراسات متخصصة حولالحلول الصحية في المملكة تعكس تنامي الوعي المجتمعي والعلمي بأهمية تلكالقضايا، مشيراً إلى أن الاستثمار في المعرفة والابتكار يمثل أحد الركائز الأساسيةلتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.

وأضاف العتيبي أن تعزيز التكامل بين القطاعات الأكاديمية والصحية والاقتصاديةيسهم في تطوير حلول مستدامة تدعم جودة الحياة وترسخ مفاهيم التنميةالمستدامة للأجيال القادمة.