بروتين الديرمسيدين: سلاح الجسم الخفي ضد الإنفلونزا
أثبت فريق بحثي بقيادة مؤسسة "فيزابيو" الإسبانية (Fisabio) وجود سلاح خفي داخل جسم الإنسان يمتلك قدرة فائقة على مقاومة فيروس الإنفلونزا ومنعه من غزو الخلايا.
وأوضحت الدراسة أن بروتين "الديرمسيدين" (Dermcidin)، وهو ببتيد مضاد للميكروبات تفرزه الغدد العرقية بشكل مستمر كخط دفاع أول للجلد، لا يقتصر نشاطه على محاربة البكتيريا والفطريات فحسب، بل يمتد ليكون مضاداً فيروسياً طبيعياً.
وكشفت النتائج أن الأشخاص الذين لا تظهر عليهم أعراض الإنفلونزا يمتلكون مستويات أساسية من هذا الجزيء تزيد بمقدار ستة أضعاف مقارنة بغيرهم، مما يشير إلى ارتباط وثيق بين تركيز هذا البروتين وانخفاض القابلية للإصابة بالعدوى التنفسية.
وتكمن الأهمية العلمية لهذا الاكتشاف في آلية عمل "الديرمسيدين" الفريدة؛ حيث يعمل على الارتباط ببروتين "الهيماغلوتينين" المسؤول عن دخول الفيروس للخلية، وتحديداً في منطقة "شديدة الحفظ" لا تتغير بين السلالات المختلفة. ويؤدي هذا التفاعل إلى تغيير تشكيلي في بنية الفيروس يضعف قدرته على الاندماج مع غشاء الخلية، مما يعطله تماماً قبل بدء العدوى. وتؤكد الدكتورة ماريا فيرير، رئيسة مجموعة الببتيدات في المؤسسة، أن هذا الأسلوب يتناقض مع معظم الأدوية المتاحة التي تستهدف بروتين "النورامينيداز" الذي بدأت تظهر ضده مقاومة شرسة، مما يجعل "الديرمسيدين" مرشحاً مثالياً لتطوير جيل جديد من مضادات الفيروسات الأكثر استدامة وفعالية.
ووفقاً للباحثين، فإن هذا البروتين لا يوجد في العرق فحسب، بل ينتشر في نقاط الدخول الرئيسية للفيروسات مثل البلعوم الأنفي واللعاب والدموع، مما يعزز فكرة كونه جزءاً محورياً من جهاز المناعة الفطري. ويرى الدكتور أليكس ميرا، المشارك في قيادة الدراسة، أن هذه النتائج تفتح الباب أمام تطبيق المبدأ نفسه لمواجهة فيروسات تنفسية أخرى مثل الحصبة والزكام، نظراً لاستهداف المناطق الفيروسية الثابتة. إن تحفيز أو محاكاة عمل "الديرمسيدين" يمثل مساراً بحثياً واعداً لا يكتفي بالهجوم المباشر على الفيروسات، بل قد يمتد لتنظيم استجابة الجهاز المناعي ككل، مما يرسخ مكانة المكونات الطبيعية للجسم كأدوات استراتيجية في معركتنا المستمرة ضد الأوبئة التنفسية المتطورة.