الجدري: المرض الأول الذي هزمته البشرية نهائياً .. القصة منذ الفراعنة
في الثامن من مايو عام 1980، أعلنت منظمة الصحة العالمية انتصاراً تاريخياً للبشرية بالقضاء التام على الجدري، ليكون المرض الوحيد الذي استطاع الإنسان استئصاله نهائياً.
هذا الوباء الذي فتك بالبشر لآلاف السنين، لم يكن مجرد مرض عابر، بل كان وحشاً حصد أرواح حوالي 300 مليون شخص في القرن العشرين وحده، مخلفاً وراءه قصصاً من الرعب والندوب التي لا تمحى، وتاريخاً طويلاً بدأ من عهد الفراعنة وانتهى في مختبرات محصنة.
تعود جذور الجدري إلى أعماق التاريخ، حيث تشير العلامات الجلدية على مومياوات حكام مصر القديمة في عصر الدولة الحديثة إلى أنه كان زائراً ثقيلاً حصد أرواح الملوك.
ومع مرور القرون، انتقل الفيروس عبر القارات، ليصل إلى الأمريكتين في القرن السادس عشر مع الأوروبيين، حيث تسبب في إبادة قبائل كاملة من السكان الأصليين.
ولم يتوقف بطشه عند هذا الحد، بل امتد لليابان في القرن الثامن ليقتل ثلث سكانها، وصولاً إلى الهند التي شهدت مقتل الملايين في أوبئة متعاقبة، مما جعله العدو الأول للبقاء البشري عبر العصور.
تعتمد قوة الجدري على نوعين من الفيروسات؛ "الجدري الكبير" الفتاك الذي قد تصل وفياته إلى 90%، و"الجدري الصغير" الأقل حدة.
وينتقل هذا العدو الخفي عبر الهواء أو التلامس، مسبباً حمى شديدة وطفحاً جلدياً يترك ندوباً غائرة، بل إن نصف المتعافين منه كانوا يواجهون خطر فقدان البصر التام.
وبقيت البشرية عاجزة أمامه حتى عام 1796، حين اكتشف الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر أن الإصابة بجدري البقر تمنح مناعة ضد الجدري البشري، لتضع هذه الملاحظة حجر الأساس لأول لقاح في التاريخ.
لم ينتهِ الكابوس إلا بجهود دولية موحدة؛ فبمبادرة من الاتحاد السوفيتي عام 1958، انطلق البرنامج العالمي للاستئصال، والذي اعتمد على حملات التطعيم الإلزامي الشاملة.
وسُجلت آخر حالة إصابة طبيعية في الصومال عام 1977، ليُعلن العالم بعدها خلوه تماماً من المرض.
واليوم، لم يعد للفيروس وجود بين البشر، بل يقبع "سجيناً" تحت حراسة مشددة في مختبرين فقط حول العالم: الأول في روسيا والآخر في الولايات المتحدة، ليبقى الجدري شاهداً على قدرة العلم والتعاون الدولي في هزيمة أعتى الأوبئة.