اكتشاف جيني يفسّر اضطرابات حركية نادرة مرتبطة بالمناعة والأعصاب
نجح فريق بحثي مشترك من الجامعات الألمانية في فك طلاسم لغز طبي طال أمده مرتبط باضطراب حركي وراثي نادر، مكتشفين أن الجين المسؤول عن هذه الحالة لم يكن معروفاً بدور وظيفي في الجهاز العصبي من قبل، بل كان يُصنف في الأوساط الطبية بوصفه جيناً ينظم الوظائف المناعية للجسم فحسب.
وجاء هذا الكشف العلمي، الذي قاده الدكتور توبياس هاك من معهد علم الوراثة الطبية وعلم الجينوم التطبيقي بجامعة توبنغن الألمانية بالتعاون مع الدكتور جوناز فيبر من جامعة بوخوم، ليربط بين علم الوراثة وعلم الأعصاب الوظيفي؛ حيث اعتمدت الدراسة على فحص البيانات الجينومية الدقيقة لأكثر من 2800 مريض يعانون من اضطرابات حركية وراثية معقدة مثل الترنح (فقدان التوازن)، والشلل التشنجي، وخلل التوتر العضلي، ورصد الباحثون نمطاً متكرراً من الطفرات الضارة في جين يُدعى $CD99L2$ لدى المرضى المصابين بالترنح التشنجي المرتبط بالكروموسوم "إكس" (X)، والذي يتسم سريرياً بضعف التنسيق الحركي وتصلب العضلات الحاد.
وعن الآلية البيولوجية والخلوية لهذا الخلل، كشفت التجارب المخبرية الدقيقة التي نُشرت تفاصيلها في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature\ Communications) ونقلتها صحيفة "الشرق الأوسط"، عن معطيات جزيئية غير متوقعة تحكم عمل الخلايا العصبية:
تعطيل الشريك المنشط (CD99L2–CAPN1): تبين أن البروتين الذي ينتجه جين CD99L2 يعمل كشريك منشط حيوي لإنزيم عصبي آخر يُدعى $CAPN1$، وهو إنزيم مسؤول عن تنظيم مستويات الكالسيوم واستقرار الخلايا. وتؤدي الطفرات الجينية المكتشفة إلى كبح إنتاج هذا البروتين، مما يمنع التفاعل الحيوي بينه وبين الإنزيم.
فوضى الإشارات المشبكية: أظهرت الفحوصات المجهرية للخلايا المأخوذة من المرضى وجود اضطرابات واضحة في العمليات المشبكية وقنوات تواصل الخلايا العصبية مع بعضها بعضاً؛ إذ يتسبب انخفاض تنشيط إنزيم $CAPN1$ في إحداث فوضى ميكانيكية بنقل الإشارات العصبية، تترجم مباشرة إلى شلل وتشنجات حركية.
أهمية الاكتشاف: يمثل تحديد جين CD99L2 خطوة محورية تتيح للأطباء إدراجه ضمن لوحات الفحص الجيني السريري، مما يضع حداً لسنوات من التشخيصات المتضاربة للأسر المتضررة، ويفتح آفاقاً علاجية واعدة لتصحيح الخلل المشبكي داخل الدماغ الحي.
وتتجاوز تداعيات هذا البحث حدود الاضطراب النادر؛ حيث يمهد الفهم العميق لمسار الإشارات الحيوية المستكشف الطريق لدراسة أمراض عصبية وتنكسية أخرى لم تُحل ألغازها بعد، لاسيما تلك المرتبطة باختلال توازن الكالسيوم داخل الخلايا. ويأمل العلماء أن يسهم هذا النهج المتكامل في تطوير استراتيجيات علاجية جزيئية قادرة على تعويض غياب البروتين واستعادة الوظيفة الحركية الطبيعية للجسم.