ضوء النهار يقي من الخرف: دور الشمس في الحفاظ على الدماغ

ضوء النهار يقي من الخرف: دور الشمس في الحفاظ على الدماغ

لم يعد التعرض لضوء النهار مجرد روتين يومي لتحسين المزاج أو قضاء الوقت، بل بات يُنظر إليه اليوم كأحد خطوط الدفاع الأولى عن صحة الدماغ على المدى الطويل.

كشفت أبحاث حديثة أجراها باحثون صينيون على عينة واسعة ضمت قرابة 88 ألف شخص، وجود ارتباط وثيق بين كثافة الضوء الطبيعي الذي نتلقاه خلال ساعات النهار وانخفاض احتمالات الإصابة بالخرف، وهو أحد أكثر الاضطرابات العصبية تعقيداً في عالمنا المعاصر.

تابعت الدراسة الحالة الصحية للمشاركين على مدار ثماني سنوات، معتمدة على تقنيات دقيقة لقياس شدة الضوء الذي يتعرضون له يومياً. أظهرت النتائج أن قضاء الوقت في بيئات منخفضة الإضاءة يزيد بشكل ملحوظ من فرص الإصابة بالتدهور المعرفي، بينما يؤدي زيادة سطوع الضوء إلى حماية وقائية تتراوح نسبتها بين 15 إلى 25 في المائة. المفارقة العلمية هنا تكمن في الجرعة؛ إذ إن التعرض لضوء بشدة 3000 "لوكس" لمدة ساعة ونصف يومياً، أو ضوء أقوى بشدة 7000 "لوكس" لمدة 40 دقيقة فقط، يسهم في خفض خطر الإصابة بنسب تتجاوز الـ 17 في المائة، مما يؤكد أن جودة الضوء ومدته هما المحرك الأساسي لهذا التأثير الوقائي.

يرجع الباحثون هذا الأثر إلى الساعة البيولوجية؛ فالضوء النهاري هو المايسترو الذي يضبط الإيقاع اليومي للجسم، وينظم دورات النوم واليقظة، ويحمي الدماغ من اضطرابات النوم المزمنة التي تُعد من المحركات الرئيسية للتدهور الإدراكي. اللافت في النتائج أن الضوء النهاري يمتلك قدرة تعويضية مذهلة، حتى لدى الأشخاص الذين يضطرون للتعرض لإضاءة اصطناعية ليلية؛ إذ يساعدهم ذلك في تقليص مخاطر الإصابة بالخرف بنسبة تصل إلى 38 في المائة. والأكثر إثارة هو أن أصحاب "النمط الليلي" ومن لديهم استعداد وراثي للإصابة بألزهايمر كانوا من أكثر الفئات استفادة من هذا الالتزام بالضوء الطبيعي.

تشير الدراسات إلى أن هذا التعرض المنتظم قد يعمل كمرمم حيوي يبطئ الانكماش التدريجي في مناطق الدماغ الحساسة للتقدم في العمر. ورغم أن الضوء وحده ليس حلاً سحرياً يمنع الخرف، إلا أنه يمثل استراتيجية وقائية منخفضة التكلفة وعالية الفاعلية. إن خطوات بسيطة كالمشي الصباحي، أو الجلوس قرب النوافذ، أو قضاء وقت أطول في الأماكن المفتوحة، ليست مجرد أنشطة ترفيهية، بل هي رسائل ضوئية تعيد ضبط كفاءة الدماغ، وتحافظ على نضارته في مواجهة سنوات العمر.