العلماء يكشفون أسرار الجينات أثناء التواصل الدماغي الحي
حققت الفرق البحثية في كلية "إيكان للطب" بمستشفى ماونت سايناي في نيويورك قفزة نوعية في علوم الأعصاب، بتمكنها لأول مرة من تحديد خارطة الجينات التي تنشط لحظياً أثناء تواصل الخلايا العصبية لدى البشر الأحياء.
وأوضحت الدراسة، التي قادها الدكتور ألكسندر تشارني ونشرتها دورية "Molecular Psychiatry"، أن العلماء نجحوا في تجاوز العقبة التقليدية المتمثلة في دراسة أنسجة الأدمغة بعد الوفاة، والتي كانت تشبه محاولة فهم عمل محرك صامت؛ حيث أتاح النهج الجديد مشاهدة "البرنامج النسخي" للجهاز العصبي وهو يعمل في الزمن الحقيقي، مما يربط الجينات مباشرة بالمشاعر والأفكار والسلوك البشري أثناء حدوثها.
اعتمد الباحثون استراتيجياً على بناء جسر بين عالمين منفصلين عبر دمج تقنيتين متطورتين؛ حيث قاموا بتحليل أنماط التعبير الجيني في "قشرة الفص الجبهي" لأكثر من مائة مريض خضعوا لجراحات عصبية، بالتزامن مع تسجيل الإشارات الكهربائية والكيميائية لأدمغتهم وهم في حالة وعي كامل.
وأثبتت النتائج وجود نمط جيني متناغم يرتفع وينخفض نشاطه بدقة مع انطلاق النبضات العصبية، مما يوفر إطاراً علمياً غير مسبوق لفهم أسباب الخلل في الأمراض النفسية والعصبية الكبرى مثل الفصام، والاكتئاب، والصرع، وألزهايمر، والتي تشترك جميعها في اضطراب عملية النقل العصبي.
يمثل هذا الاكتشاف تحولاً جذرياً من دراسة "خرائط الدماغ الساكنة" إلى استكشاف "المشهد الحي" للديناميكية البشرية؛ فالقدرة على رصد اللحظة التي يتشكل فيها الفكر على المستوى الجزيئي تفتح الباب أمام جيل جديد من الطب الدقيق.
إن تحديد الشكل الصحي للأنماط الجينية أثناء التواصل الدماغي النشط يمنح العلماء أهدافاً علاجية أكثر وضوحاً لتصحيح الأخطاء الجينية في مسارات الإشارات العصبية، مما يمهد الطريق لتطوير أدوات تشخيصية تعتمد على الآليات البيولوجية العميقة بدلاً من الاكتفاء برصد الأعراض الخارجية، ويضع حجر الأساس لمستقبل الرعاية النفسية القائمة على التصحيح الجيني الفوري.