دراسة يابانية تكشف اللحظة الأولى لانطلاق مرض كينيدي
نجح فريق بحثي من جامعة "ناغويا" اليابانية في تحديد "اللحظة الصفر" لانطلاق مرض ضمور العضلات الشوكي البصلي (SBMA)، المعروف بمرض "كينيدي"، وهو مرض وراثي نادر يختص بالرجال دون النساء. وكشفت الدراسة المنشورة في دورية Nature Communications أن الارتفاع الطبيعي لهرمون التستوستيرون الذي يحدث فور الولادة مباشرة، والمعروف علمياً بـ "البلوغ المصغر"، يمثل الصاعق الذي يفجر النشاط المفرط للخلايا العصبية الحركية، مؤدياً إلى تهالكها التدريجي وظهور أعراض الشلل والهزال في سن البلوغ.
تكمن عبقرية الاكتشاف الياباني في فهم العلاقة الشرطية بين هرمون التستوستيرون والبروتين المتحور المسبب للمرض؛ فحتى يمارس هذا البروتين المعيب تأثيره السام، فإنه يحتاج إلى التستوستيرون ليعبر به إلى "نواة" الخلايا العصبية الحركية. ووجد الباحثون أن طفرة الهرمون التي تستمر نحو ستة أشهر لدى الرضع البشر (و10 أيام لدى الفئران)، هي النافذة الزمنية التي يبدأ فيها البروتين المعيب تراكمه القاتل داخل النواة. وهذا يفسر لغز إصابة الرجال فقط بهذا المرض؛ إذ تفتقر الإناث اللواتي يحملن نفس الطفرة الجينية لهذا المحفز الهرموني المبكر، مما يبقي خلاياهن العصبية في مأمن من التلف.
لم يتوقف البحث عند رصد المشكلة، بل امتد لاختبار حلول علاجية "جينية" ثورية؛ حيث استخدم الفريق عقارين يستهدفان الجينات المسؤولة عن فرط النشاط العصبي، وبالأخص بروتين (REST4) الذي يعمل كقائد لعملية التنشيط المفرط لمستقبلات الغلوتامات. وأظهرت النتائج أن التدخل العلاجي في الأيام الأولى بعد الولادة نجح في حماية الخلايا العصبية الحركية لأشهر طويلة، حتى بعد زوال أثر الدواء من الجسم. هذه النتيجة تفتح آفاقاً لـ "التدخل الاستباقي" الذي قد يغير مسار حياة المصابين قبل أن يبدأ العد التنازلي لضمور عضلاتهم في الثلاثينيات من العمر.
عزز الباحثون نتائجهم عبر زراعة خلايا عصبية حركية في المختبر مستمدة من "مرضى حقيقيين"، ليجدوا أن هذه الخلايا تظهر نفس "فرط النشاط غير الطبيعي" الذي رُصد في الفئران حديثة الولادة. هذا التطابق يشير إلى أن مسار المرض في البشر يتبع ذات النمط الزمني الكارثي، مما يجعل تحديد نافذة "البلوغ المصغر" كفرصة ذهبية للعلاج أمراً قابلاً للتطبيق السريري مستقبلاً، ويضع جامعة ناغويا مجدداً في طليعة المؤسسات التي تقود معركة العالم ضد مرض "كينيدي".
إن هذا الكشف الياباني يعيد تعريف مفهوم "الأمراض التنكسية"؛ فهي ليست مجرد قدر بيولوجي يظهر فجأة في منتصف العمر، بل هي نتيجة لتفاعلات كيميائية تبدأ مع النفس الأول للمولود. وبالنسبة للمنظومة الصحية في المملكة ودول الخليج، فإن تعزيز الفحص الوراثي المبكر للمواليد وتطوير بروتوكولات "التدخل الجيني الاستباقي" يمثل ضرورة سيادية لتقليص أعداد المصابين بالأمراض النادرة، وتحويل المعرفة العلمية إلى درع يحمي أجيال الغد من إعاقات كان يُعتقد أنها حتمية ولا علاج لها.