لندن- كبسولة الصحية
في اكتشاف أثري وعلمي يفتح نافذة جديدة على تاريخ بريطانيا، كشف تحليل الحمض النووي لهياكل عظمية مدفونة منذ القرن السابع الميلادي على الساحل الجنوبي لإنجلترا، عن أصول غير متوقعة تعود إلى غرب أفريقيا.
وتؤكد هذه النتائج أن بريطانيا لم تكن منعزلة بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، بل كانت جزءاً من شبكة عالمية من الهجرة والتبادل الثقافي تفوق ما كنا نتصوره.
أدلة وراثية نادرة:
حلل فريق من علماء الآثار والوراثة بقايا هيكلين عظميين عُثر عليهما في مقبرتين تعودان إلى أوائل العصور الوسطى في مقاطعتي كينت ودورست. ورغم أن المدفونين لا تجمعهما أي صلة قرابة مباشرة، كشف الحمض النووي الخاص بهما عن رابط مشترك غير مألوف، إذ كان لكليهما جدّ من غرب أفريقيا.
ويمثل هذا الاكتشاف، الذي نُشر في مجلة «Antiquity»، أحد أندر الأدلة الجينية المباشرة على الهجرة لمسافات طويلة إلى بريطانيا خلال تلك الحقبة. وتقول الدكتورة سيريدوين إدواردز، المتخصصة في علم الوراثة الأثرية، إن الحمض النووي القديم هو الذي يقدم الدليل الحاسم على وجود مهاجرين من أصول بعيدة فعلاً.
مؤشرات الاندماج الاجتماعي:
ما يثير الاهتمام هو أن هذين الفردين لم يُعامَلا على أنهما غريبان. ويشير البروفسور دنكان ساير، المؤرخ الأثري، إلى أن دفنهما تم بالطريقة نفسها التي دُفن بها أفراد المجتمع المحلي، ما يعني أنهما كانا جزءاً من النسيج الاجتماعي الأنجلوساكسوني.
وأظهر التحليل أن فتاة مراهقة مدفونة في مقبرة “أبداون” كانت تحمل روابط وراثية قوية بمجموعات غرب أفريقيا المعاصرة، ورغم ذلك دُفنت مع قطع أثرية مميزة، من بينها إناء مستورد من بلاد الغال وملعقة يُعتقد أنها مرتبطة بالطقوس المسيحية، مما يؤكد اندماجها العائلي في المجتمع.
إن وجود أفراد من أصول أفريقية في قلب إنجلترا الأنجلوساكسونية يقوّض الفكرة القديمة التي ترى أن المجتمعات في تلك الحقبة كانت متجانسة أو معزولة. ويُعد هذا الاكتشاف خطوة مهمة لفهم تاريخ بريطانيا كجزء من تاريخ عالمي مشترك.