حين يكتب العمر مذكراته على غلاف الخلايا

"أرشيف الألم والنجاة".. 

حين يكتب العمر مذكراته على غلاف الخلايا
29 يناير، 2026 - 4:17 ص

متابعة – كبسولة الصحية

توصل باحثون من معهد “سالك” للدراسات البيولوجية بالولايات المتحدة إلى حقيقة فلسفية مذهلة تتجاوز حدود البيولوجيا؛ إذ تبين أن أجسادنا لا تنسى، وأن كل تجربة حياتية نخوضها تترك “ندبة جزيئية” أو بصمة نورانية على خلايانا المناعية. ووفقاً لتقرير نشره موقع “Medical xpress” ونقلته صحيفة (اليوم السابع)، فإن الخلايا ليست مجرد آلات حيوية تنفذ أوامر الوراثة، بل هي “مؤرخون مجهريون” يدونون سجل العدوى، الصدمات، والبيئة عبر تغييرات “إبيجينية” (فوق جينية). هذه التغييرات تعمل كمفاتيح كونية تقرر أي الجينات تشرق بالعمل وأيها ينطفئ، مما يفسر لماذا يخرج شخص من معركة “كورونا” معافى بينما ينهك آخر؛ فالسر يكمن في “ثقل التاريخ” المطبوع على جدار الخلية.

وعبر تحليل دقيق لعينات من 110 أفراد، أثبت الفريق بقيادة البروفيسور جوزيف إيكر أن الجهاز المناعي هو “كائن سيريالي” يتشكل بقوتين: حتمية الجينات ومرونة التجربة. فالخلايا التائية والبائية، التي نعهد إليها بذاكرة الوجود، تحمل فهرساً لكل سمّ أو تطعيم أو فيروس واجهته، محولةً هذه اللقاءات إلى “هوية جزيئية” فريدة. هذا الوعي الجديد بالإبيجينوم يثبت أن الإنسان ليس مجرد نسخة كربونية من أسلافه، بل هو لوحة حية تتغير ألوانها مع كل شهيق وزفير وتجربة، مما يجعل “الذات المناعية” انعكاساً دقيقاً لرحلة الفرد في الوجود.

فلسفياً واستراتيجياً، يحررنا هذا الاكتشاف من “سجن الوراثة” ويضعنا أمام “مسؤولية الوجود”؛ فكل اختيار بيئي أو تجربة حياتية هو بمثابة كتابة في دستورنا المناعي المستقبلي. استراتيجياً، يمهد هذا العلم الطريق للطب “الوجودي” أو الشخصي، حيث لن يعالج الأطباء الأعراض فحسب، بل سيقرؤون “سيرة الخلية” ليفهموا لماذا استسلمت أو قاومت. إن فهمنا لهذه “البصمة الحياتية” يعزز من قدرتنا على تصميم تدخلات طبية تحترم “فردية المعاناة” و”خصوصية النجاة”، مما يحول الطب من مهنة إصلاح الأعطال إلى فن قراءة وفهم التاريخ البشري المكتوب بمداد من بروتينات وحمض نووي.