القاهرة – محمد مطاوع
يُصنف الصرع عالمياً كواحد من أقدم وأعقد الاضطرابات العصبية التي عرفتها البشرية، حيث يقبع أكثر من 50 مليون إنسان تحت وطأة نوبات مفاجئة ناتجة عن “عواصف كهربائية” غير منتظمة في خلايا الدماغ. وتؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية المحدثة أن هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل هو نداء لإنقاذ 70% من المصابين الذين يمكنهم استعادة حياتهم الطبيعية تماماً إذا ما كُسرت أغلال “الفجوة العلاجية”. ففي الوقت الذي يصارع فيه 75% من المرضى في المجتمعات النامية للحصول على “جرعة دواء”، يقف العالم أمام تحدٍ أخلاقي وإنساني يتمثل في تحويل “الصرع” من حكم بالإقصاء الاجتماعي إلى حالة طبية مُدارة بكرامة.
وعلى الصعيد الوطني، لم تكتفِ المملكة العربية السعودية بمواكبة المعايير الدولية، بل أعادت صياغة “بروتوكولات المواجهة” لتصبح مرجعاً إقليمياً في التمكين العلاجي الناجز. وتكشف سجلات الجمعية السعودية للصرع والمراكز الطبية الكبرى عن نقلة نوعية في “الطب الدقيق”، حيث لم يعد العلاج يقتصر على العقاقير التقليدية، بل امتد ليشمل “الجراحات العصبية الوظيفية” المعقدة. ففي مراكز التميز السعودية، مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي، تُجرى عمليات زراعة “محفزات العصب الحائر” واستخدام الروبوتات الجراحية لتحديد بؤر الصرع بدقة متناهية واستئصالها، مما منح آلاف الأسر السعودية الأمل في “شفاء كامل” لم يكن ممكناً قبل عقود. إن المملكة اليوم لا تعالج مرضاً، بل تمحو “إرثاً من الوصمة” عبر تشريعات تضمن للمصاب حق التعليم، والعمل، والقيادة، والاندماج الكامل في نسيج المجتمع.

وعند تشريح المشهد من منظور “التحليل الاقتصادي-الصحي”، نجد أن الصرع يمثل “نزيفاً صامتاً” في شرايين الاقتصاد العالمي؛ حيث تُهدر مليارات الدولارات سنوياً نتيجة فقدان الإنتاجية، والتقاعد المبكر، وتكاليف الطوارئ المتكررة الناجمة عن النوبات غير المسيطر عليها. وتوضح الدراسات الاستراتيجية السعودية أن الاستثمار في “مراكز الصرع المتخصصة” وتوفير الأدوية المبتكرة مجاناً هو في الحقيقة “استثمار سيادي”؛ فتكلفة السيطرة على المرض تمثل كسراً زهيداً من تكلفة “الفقد البشري” والتعطل عن العمل. إن السياسة الصحية في المملكة، المنبثقة من رؤية 2030، تدرك أن تحويل المريض من “مستهلك للرعاية” إلى “منتج في الميدان” هو جوهر استدامة رأس المال البشري، مما يجعل النموذج السعودي درساً في كيفية تحويل التحديات الطبية إلى روافد اقتصادية واجتماعية.
إن الخاتمة الحقيقية لمعركة الصرع لا تكتبها المشارط الطبية فحسب، بل يكتبها “الوعي المجتمعي” الذي يتقبل الاختلاف؛ فالعالم يرى اليوم في التجربة السعودية نموذجاً يُحتذى في كيفية ترويض “الكهرباء الزائدة” لتتحول إلى طاقة إبداع في عقول أبنائها، مؤكدة أن “الاضطراب العابر” في خلايا الدماغ لا يمكنه أبداً أن يطفئ وهج الطموح في روح الإنسان.