نوعان من المعرفة يضمنان تفوق البشر على الذكاء الاصطناعي
لم تعد المقولة السائدة بأن تهديد الذكاء الاصطناعي قادم ليحل محل الوظائف مجرد تحذير هلامي بشأن المستقبل، بل تحولت إلى واقع ملموس يواجهه مئات الآلاف من موظفي اقتصاد المعرفة، وتكشف تجربة المترجم تيموثي ماكيون، الذي خسر نحو 70% من دخله مع الاتحاد الأوروبي نتيجة تطور الترجمة الآلية، عن عمق هذه الأزمة التي دفعت بنحو 43% من المترجمين لمواجهة انخفاض حاد في عوائدهم المالية، ليعلن هذا التحول أن التميز لم يعد يرتبط بمجرد حيازة معلومة يستطيع النموذج الذكي استدعاءها فوراً بطلاقة تفوق البشر، بل بنوعيات مختلفة تماماً من المعرفة الإنسانية العصية على الأتمتة.
وتشير القراءة التحليلية التي نشرتها مجلة "فاست كومباني" إلى أن الملاذات التقليدية القائمة على التخصص العميق أو النادر لم تعد آمنة تماماً ضد الآلة التي لا تجد فرقاً بين زاوية غامضة في القانون أو معلومة شائعة ما دامت مدونة في السجلات، مما يفرض الانتقال نحو "الحكم السياقي" القائم على استقراء اللحظة الراهنة وفهم صمت العميل أو تردد مجلس الإدارة، وهي تفاصيل بشرية عابرة لا توجد في قواعد البيانات، والنوع الآخر هو "المعرفة الإجرائية" المرتبطة بكيفية التنفيذ والممارسة الميدانية؛ مثل مهارات القيادة، وضبط النفس أثناء التفاوض، وبناء الثقة، وهي أبعاد تنبع من التجربة الحية ولا يمكن تحميلها أو تلقينها للبرمجيات.
ويتطلب مواكبة هذا التغيير التاريخي في مفهوم العمل المعرفي تبني ثلاث خطوات استراتيجية تضمن بقاء الإنسان في صدارة المشهد؛ تبدأ بالتركيز على امتلاك النتائج النهائية لحل المشكلات المعقدة بدلاً من التنافس على المخرجات الورقية التي تنتجها الآلة في ثوانٍ، مروراً ببناء الحكم التقديري الواقعي عبر التواجد في قلب صناعة القرار ومتابعة آثاره، وصولاً إلى التفويض الذكي للمهام الروتينية مع الحفاظ على ممارسة الأعمال الحساسة ذات المهارة العالية، بما يرسخ المعرفة المتأصلة في الذات الإنسانية التي يمتلكها الشخص بممارسته، ويصونها كملكية حصرية ضد قدرات الآلة الحالية.